شو بعد فينا نشتري بـ100 دولار؟ -- Jul 30 , 2026 428
لم يعد السؤال في لبنان: كم يساوي الدولار بالليرة؟ بل: ماذا تستطيع المئة دولار أن تشتري اليوم؟ فبعد أكثر من ست سنوات على اندلاع الأزمة المالية، لم تعد الورقة الخضراء تؤمّن ما كانت تؤمنه سابقًا، بعدما ارتفعت أسعار السلع والخدمات الأساسية، حتى تلك المسعرّة بالدولار النقدي، ما أدّى إلى تراجع ملموس في قدرتها الشرائية داخل السوق اللبنانية.
رغم استقرار سعر صرف الليرة واعتماد الاقتصاد اللبناني بصورة شبه كاملة على الدولار النقدي، واصلت كلفة المعيشة ارتفاعها بفعل عوامل متشابكة، من التضخم المحلي ورفع الدعم ودولرة الرسوم والضرائب، إلى ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والخدمات. وبين من يصف هذه الظاهرة بـ "التضخم المدولر"، ومن يرى أن جذورها تعود أساسًا إلى التضخم المحلي والاختلالات البنيوية في الاقتصاد، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة إلى اللبنانيين: المئة دولار اليوم تشتري أقل بكثير مما كانت تشتريه في بداية الأزمة.
ولفهم حجم هذا التراجع في القوة الشرائية، لا يكفي النظر إلى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل إلى ما تستطيع المئة دولار تأمينه فعليًا في الحياة اليومية. فجولة سريعة داخل أحد متاجر السوبرماركت تكشف بوضوح كيف تقلصت قيمة هذا المبلغ، حتى بات بالكاد يُغطي الاحتياجات الأساسية لأسرة صغيرة.
جولة في عربة التسوق
وتشير محاكاة تستند إلى متوسط الأسعار المتداولة في الأسواق اللبنانية إلى أن تأمين سلة غذائية ومنزلية أساسية لأسرة صغيرة قد يستهلك ما بين 90 و100 دولار، فيما تبقى سلع كثيرة خارج العربة، سواء بسبب ارتفاع أسعارها أو بسبب اضطرار الأسرة إلى إعطاء الأولوية للضروريات.
ولا تعكس هذه السلة سوى جزء من كلفة المعيشة، إذ لا تشمل فاتورة المولد الكهربائي، أو المحروقات، أو الاتصالات، أو الأدوية، أو أي نفقات طارئة، وهي بنود تستنزف بدورها جزءًا كبيرًا من دخل الأسر شهريًا.
وهكذا، تكشف المئة دولار اليوم عن مفارقة لافتة، فهي لا تزال الورقة النقدية الأكثر تداولا في لبنان، لكنها لم تعد تحمل القوة الشرائية التي تمتعت بها في بداية الأزمة، بعدما ارتفعت أسعار معظم السلع والخدمات المُسعرّة بالدولار نفسه.
"التضخم المدولر"
يؤكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة لـ "نداء الوطن"، أن "الاقتصاد يُواجه حقيقةً مريرة تُعرف في الأدبيات الاقتصادية بتآكل القوة الشرائية للدولار أو التضخم المدولر"، لافتًا إلى أنه "لم تعد المئة دولار في وقتنا الحالي تملك القدرة على تغطية المتطلبات الأساسية كما كانت تفعل في بداية الأزمة. فقد كانت السلع مدعومة من قبل مصرف لبنان وكانت كلفة الخدمات العامة على المواطن منخفضة".
يضيف: "إلا أنه وبعد الأزمة تمّ رفع الدعم بالكامل وبدفعة واحدة عن المحروقات والأدوية والسلع الأساسية، إضافةً إلى دولرة الضرائب والرسوم الجمركية ورسوم الخدمات العامة ورفعها لتسدد بالدولار الفعلي أو بسعر الصرف الموازي. وانهارت شبكة الكهرباء والمؤسسات العامة ممّا أدّى إلى تحميل القطاعات التجارية والمواطنين تكاليف تشغيلية باهظة تُدفع نقدًا بالدولار الأميركي كاشتراكات المولدات الخاصة، والمياه والمستلزمات الأمنية والتشغيلية".
ويتابع: إلى ذلك، هناك "التضخم العالمي بسبب الصراعات في المنطقة ممّا رفع أسعار النفط ومعها أجور الشحن وسلاسل التوريد والتأمين. وبما أن لبنان يستورد الغالبية العظمى من احتياجاته، وبما أن هناك ضعف في الرقابة الحقيقية على الأسواق وارتفاع هامش أرباح التجار للتحوط ضد المخاطر، فقدت المئة دولار ما بين 40 % إلى 60 % من قدرتها الشرائية الحقيقية داخل السوق اللبناني مقارنةً بالسنوات الأولى للأزمة".
التداعيات
يؤكّد عجاقة هنا أن "هذه الظاهرة ألقت بتداعيات كارثية على المواطنين، حيث امتدت أزمة الغلاء لتطال حتى العائلات التي تتقاضى أجورها بالدولار أو تتلقى تحويلات مالية من الخارج. وهو ما أدّى إلى اتساع رقعة الفقر وانزلاق شرائح جديدة من الطبقة الوسطى نحو الفقر، وبالتالي فرض نمطًا استهلاكيًا تقشفيًا يقتصر على تأمين الحاجات الأساسية كالمأكل والطاقة والأدوية".
يختم عجاقة، بالقول: "أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فقد أدّى التضخم المدولر إلى تراجع القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج. وكنتيجة حتمية انكمشت الحركة التجارية في القطاعات غير الأساسية وتعمّقت ظاهرة اقتصاد الكاش خارج المنظومة المصرفية والضريبية. وبذلك أصبح لبنان يشهد أزمة مزدوجة تتمثل في انهيار العملة الوطنية من جهة، وغلاء المعيشة المستمر بالعملة الأجنبية من جهة أخرى".
غبريل: المشكلة محلية لا عالمية
في المقابل، يُقدّم الخبير الاقتصادي د. نسيب غبريل مقاربة مختلفة، إذ يُميّز بين تراجع القدرة الشرائية للدولار داخل السوق اللبنانية وأداء العملة الأميركية في الأسواق العالمية، معتبرًا أن "العامل الحاسم يبقى التضخم المحلي والضغوط البنيوية التي يرزح تحتها الاقتصاد اللبناني".
يؤكد غبريل لـ "نداء الوطن"، أن "الحديث عن تراجع القدرة الشرائية للدولار الأميركي في لبنان لا ينبغي ربطه بأداء الدولار في الأسواق العالمية، لأن الجزء الأكبر من هذا التراجع يعود إلى التضخم المحلي الناتج عن عوامل داخلية. ويوضح أن مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية، وهو المؤشر الرسمي للتضخم في لبنان، سجل مستويات قياسية بلغت 221 % عام 2023، قبل أن يتراجع إلى 45 % عام 2024، ثم إلى 15 % عام 2025. ورغم هذا الانخفاض التدريجي، يشدد على أن هذه النسب لا تزال مرتفعة جدًا وفق المعايير العالمية".
ويلفت إلى أن "معدل التضخم انخفض إلى نحو 12 % خلال الشهرين الأولين من عام 2026، إلا أنه عاود الارتفاع إلى 20 % في شهر نيسان بفعل تداعيات الحرب القليمية وارتفاع أسعار النفط، قبل أن يتراجع مجدداً إلى 17 % في حزيران".
أداء الدولار عالميًا
في ما يتعلق بأداء الدولار عالميًا، يشرح غبريل أن "مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، تراجع بنحو 10 % خلال عام 2025 نتيجة التوترات المرتبطة بفرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على عدد من الدول، إضافة إلى الضغوط التي تواجه المالية العامة الأميركية و تخفيض الاحتياطي الفدرالي الاميركي للفائدة. إلا أنه يلفت إلى أن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره خلال عام 2026، مرتفعاً بنحو 5 % في النصف الأول من العام، مدفوعًا بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة وارتفاع أسعار النفط، ما انعكس تحسناً في أداء الدولار على المستوى العالمي".
انطلاقًا من ذلك، يعتبر غبريل أن "إرجاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية للدولار في لبنان إلى تراجع مؤشر الدولار الأميركي عالميًا يُشكل قراءة مضللة للواقع الاقتصادي". ويشير إلى أن "ارتفاع أسعار النفط هذا العام أسهم في إعادة رفع معدلات التضخم، إلا أن جذور المشكلة كانت قائمة قبل ذلك، نتيجة تداعيات انهيار سعر صرف الليرة خلال الأزمة، فضلا عن استمرار التسعير العشوائي في عدد من القطاعات والسلع".
ويتابع أن "تراجع القدرة الشرائية لـ100 دولار لا يرتبط بالتضخم وحده، بل يعكس أيضًا الضغوط المتزايدة على ميزانيات الأسر اللبنانية، إذ بات المواطن مضطرًا لتحمّل فاتورتين للكهرباء و ثلاثة فواتير للمياه، إلى جانب الضرائب والرسوم المتزايدة، فضلا عن الكلفة المرتفعة لاستخدام السيارة نتيجة تردي نوعية الطرقات والازدحام المروري وفوضى السير". ويرى أن "هذه الأعباء تستنزف دخل الأسر بصورة أكبر من تأثير تراجع مؤشر الدولار عالميًا، الذي يبقى، بحسب وصفه، عاملا ثانويًا مقارنة بالتضخم المحلي والضغوط المعيشية".
ويخلص غبريل إلى أن "استقرار سعر صرف الليرة عند مستوى 89,500 ليرة للدولار منذ تموز 2023، رغم الحروب والصدمات الأمنية التي شهدها لبنان، يؤكد أن سعر الصرف لم يعد المحرك الأساسي للتضخم"، مضيفًا أن "استقرار سعر الصرف ساهم في لجم التضخم". ويشدد على أن "التضخم الراهن يرتبط بالدرجة الأولى بعوامل داخلية وهيكلية، أكثر بكثير من تقلبات سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية".
تكشف رحلة المئة دولار في السوق اللبنانية حجم التحولات التي شهدتها كلفة المعيشة خلال السنوات الأخيرة. فبغض النظر عن اختلاف المقاربات في تفسير أسباب تراجع قدرتها الشرائية، سواء أكان ذلك نتيجة ما يُعرف بـ”التضخم المدولر” أم بفعل التضخم المحلي والضغوط البنيوية، يبقى الواقع واحدًا: المئة دولار لم تعد تؤمن ما كانت تؤمنه سابقًا، في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتزايد الأعباء المعيشية على الأسر اللبنانية.
رماح هاشم - نداء الوطن